عبد الشافى محمد عبد اللطيف
38
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
خرج الناس جميعا يشيعون جنازته حتى لم يوجد في البصرة من يقيم صلاة العصر ، وكذلك كانت نظرة الناس لمحمد بن سيرين وغيره من الموالي . لهذا نرى أن ما نسب لابن إسحاق في ذلك غير صحيح ؛ لأنه لو كان في الولاء نقص لعاد عليه هو نفسه . أما الذي يمكن أن يكون سببا من أسباب الخلاف ، فهو كثرة انتقاد ابن إسحاق لعلم مالك ، فقد روي عنه أنه كان يقول : « ائتوني ببعض كتب مالك ، حتى أبين عيوبه ، أنا بيطار كتبه » فلما سمع مالك ذلك حنق على ابن إسحاق ، وحمل عليه وسفه علمه . وقد روى الخطيب البغدادي عن أحد تلاميذ ابن إسحاق ؛ وهو عبد اللّه بن إدريس أنه قال : قلت لمالك بن أنس - وقد ذكر المغازي - : قال ابن إسحاق : أنا بيطارها ، فقال : هو قال لك : أنا بيطارها ؟ نحن نفيناه من المدينة . ويضيف العلماء سببا آخر للخلاف والجفاء بين ابن إسحاق ، والإمام مالك بن أنس ، فيقولون : إن ابن إسحاق كان يتهم بالتشيع ، فعاداه مالك بن أنس - وهو إمام من أكبر أئمة أهل السنة - من أجل ذلك « 1 » . وإذا كان ذلك الاتهام صحيحا فمن الجائز أن يكون أيضا وراء الجفاء وعدم المودة بين ابن إسحاق والدولة الأموية . هذا عن الخلاف - وأسبابه - بين ابن إسحاق والإمام مالك بن أنس . أما خلاف ابن إسحاق مع هشام بن عروة بن الزبير ، فترجعه المصادر التي تناولته إلى أن ابن إسحاق كان يروي الحديث عن فاطمة بنت المنذر - زوج هشام بن عروة - فأغضب ذلك هشاما وأثار غيرته وحفيظته ، وقال : « متى دخل عليها ومتى سمع منها ؟ » « 2 » . ويبدو أن رواية ابن إسحاق عن فاطمة بنت المنذر صحيحة ، أكدها سفيان الثوري حين سئل : أكان ابن إسحاق قد جالس فاطمة بنت المنذر وسمع منها ؟ فقال : « أخبرني ابن إسحاق أنها حدثته وأنه دخل عليها » « 3 » . وهذا الخبر في حد ذاته ليس غريبا ولا مستنكرا ، إنما الغريب حقّا هو غضب هشام بن عروة من ابن إسحاق ، وحملته عليه بسببه ، فرواية الرجال عن النساء وقعت وتقع كثيرا ، ولم يستغربه أو ينكره أحد من علماء المسلمين ، وقد روى الصحابة والتابعون عن أمهات المؤمنين - أزواج النبي صلّى اللّه عليه وسلم - ولم يستنكر ذلك أحد . بل إن ابن إسحاق نفسه روى عن زوجة أستاذ آخر من أساتذته ، وهي فاطمة بنت عمارة الأنصارية زوج عبد اللّه ابن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري ، ولم ينكره ولم يعترض عليه ،
--> ( 1 ) انظر تاريخ بغداد للخطيب البغدادي ( 1 / 223 ، 224 ) . ( 2 ) انظر الفهرست للنديم ( ص 136 ) . ( 3 ) تاريخ بغداد ( 1 / 221 ) .